جلال الدين الرومي
478
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
سبحانه وتعالى هو الذي يحرك باطنه أو يسكنه فيتحرك ظاهره ويسكن ، وهذا كما يكون الماء في لون الكأس ، فهناك وقت يجب فيه على العارف السكون ووقت يجب عليه فيه الاضطراب والحركة ووقت ينبغي فيه أن يشكو ، وحينا يصبر وحينا يشكو ، وحينا يختلط بالناس وحينا يعتزلهم « شرح التعرف 4 / 142 » لكن هناك من هو في مرتبة أعلى فلا حاجة به إلى الوقت ، أو إلى الحال وهو « الصافي » من صافاه الحب فهو صاف ومن صافاه الحبيب فهو صوفي والصفاء طبع والتصوف تكلف ، وليست صفة الصفاء مرتبطة بالأعمال والأحوال ، بل الصفاء سمة الأحباب وهم شموس بلا سحاب ، فالصفاء صفة المحبين ، والمحب هو الفاني في صفائه والباقي في صفات محبوبه ، ( كشف المحجوب ترجمة 41 - 44 ) والحكاية التي رواها السبزواري ( ص 208 ) مناسبة في هذا المجال : التقى صوفي مع صافي فسألة الصافي في أي مقام أنت ؟ قال : في مقام التوكل وبعد فترة التقى به فسأله في أي مقام ؟ قال : في مقام الصبر ، ثم لقيه فسألة في أي مقام فقال : في الرضا فقال : كل عمرك مشغول بنفسك وإصلاح نفسك فمتى تشغل بالله والمقصود عدم رؤية العمل لا عدم العمل فالسير في الله والسير إلى الله والسير من الله كلها مطلوبة ، والصافي هو الواصل المسيطر على أحواله ، ومن أنفاسه التي تشبه أنفاس المسيح هناك أحوال مختلفة تتوالى عليه بعزمه ، الذي تتوقف عليه أحوال الصوفية وأوقاتهم ، وليس هو مثل ذلك المذكور في الحكاية السابقة ، إنه لا يمكن أن يكون معشوقا للخليل الذي قال : « لا أحب الآفلين » ، إن هؤلاء المتوقفين على الأحوال أشبه « ببرج القمر » ( صورة برج القمر في علم الهيئة ) دون نور القمر ، والصوفي ينتظر الوقت ليغتنمه ، لكن الصافي غريق في نور الجلال ، وهو ليس ابن الوقت أو ابن شئ اخر ، إنه غريق النور الذي لم يلد ولم يولد فهو أزلي أبدى ليس محدودا بمكان أو زمان .